أعاد التصويت الذي قامت به الجزائر داخل مجلس الأمن لصالح مشروع القرار الأمريكي المتعلق بإدارة قطاع غزة فتح نقاش واسع في الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصًا وأن هذا الموقف جاء في سياق معقّد تتحرك فيه الدبلوماسية الجزائرية ضمن توازنات إقليمية ودولية دقيقة. وبينما اعتبر البعض أن التصويت لصالح مشروع أمريكي خطوة غير معتادة، خرجت التوضيحات الرسمية من الجزائر ومن فلسطين لتقدّم قراءة مختلفة، تؤكد أن القرار لم يكن انحيازًا، بل تنفيذًا لرغبة القيادة الفلسطينية وامتثالًا لمخرجات عربية مشتركة.
منطلقات الموقف الجزائري: التزام بالقرار الفلسطيني لا بتصور واشنطن
وزير الخارجية أحمد عطاف أوضح أن تصويت الجزائر بالإيجاب جاء استنادًا إلى قرار السلطة الفلسطينية والدول العربية الثلاث المشاركة في اجتماع شرم الشيخ الذي انبثقت منه الخطة الأمريكية. وهو تصريح يحمل دلالات مهمة:
فالجزائر لم تتبنّ رؤية الولايات المتحدة، بل تبنّت ما وافق عليه الفلسطينيون أنفسهم، انسجامًا مع مبدأها الثابت القائل: “نحن مع ما يريده الفلسطينيون لأنفسهم، لا ما يُفرض عليهم”.
وهذه النقطة كانت حاضرة بقوة في البيان الصادر عن السفير الفلسطيني في الجزائر فايز أبو عيطة، الذي أكّد أن الجزائر ظلت ملتزمة بالتعامل حصريًا مع المؤسسات الرسمية الفلسطينية، وعلى رأسها منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وهو شرط سياسي تاريخي يُصرّ عليه الجزائريون منذ عقود.
الدور الجزائري داخل مجلس الأمن: رأس الحربة لا التابع
السفير الفلسطيني قال بوضوح إن الجزائر كانت وتبقى “رأس الحربة” في الدفاع عن القضية الفلسطينية داخل مجلس الأمن.
وهذه العبارة ليست مجازًا سياسيًا، بل تستند إلى وقائع ملموسة:
-
الجزائر قادت في الشهور الماضية حملة دبلوماسية واسعة لدفع المجلس نحو المطالبة بوقف إطلاق النار الشامل في غزة.
-
كانت المؤثر الأبرز في تغيير لهجة عدة دول مترددة داخل المجلس، بما فيها دول كبرى لطالما امتنعت عن التصويت.
-
دفعت نحو إدراج مصطلحات قوية تتعلق بجرائم الحرب وضرورة المساءلة.
-
وضعت الولايات المتحدة في أكثر من مرة في موقف حرج أمام الرأي العام الدولي.
وعليه، فإن تصويتها الأخير لم يكن تغييرًا في الموقف، بل جزءًا من تكتيك دبلوماسي مرتبط بتفاصيل التعاطي مع القرار الفلسطيني والعربي.
فلسطين: تقدير واعتراف بدور الجزائر
جاءت كلمات السفير الفلسطيني واضحة وصريحة في الإشادة بالموقف الجزائري:
-
“الدبلوماسية الجزائرية أثّرت بشكل إيجابي حتى على مواقف الولايات المتحدة.”
-
“مواقف الجزائر ثابتة لا تتبدل.”
-
“الفلسطينيون يحفظون للجزائر دعمها التاريخي ودفعها ثمناً سياسياً كبيراً من أجل القضية.”
هذه التصريحات تكشف أن السلطة الفلسطينية تنظر إلى التحرك الجزائري باعتباره امتدادًا لمسار وفاء طويل، لا خطوة طارئة ولا انحيازًا لواشنطن.
في الواقع، الجزائر تُدرك أن الملف الفلسطيني يعيش لحظة بالغة الحساسية، وأن أي فراغ سياسي أو إداري في غزة بعد الحرب يمكن أن يتحوّل إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. بالتالي فإن التعامل مع أي مقترح — بما في ذلك المقترح الأمريكي — يخضع لعاملين أساسيين:
-
موقف السلطة الفلسطينية: الجزائر لن تدعم أي ترتيبات لا تُباركها القيادة الفلسطينية.
-
الحفاظ على وحدة التمثيل الفلسطيني داخل المؤسسات الدولية: وهو مبدأ ضد محاولات التفكيك أو التجاهل أو خلق بدائل.
تصويت الجزائر كان عمليًا دعمًا لخيارات الفلسطينيين ضد مشاريع التفتيت.
سؤال الرأي العام: هل تغيّر الموقف الجزائري؟
الجواب: لا.
الجزائر لم تغيّر شيئًا في مبادئها، وما تزال الدولة العربية الأكثر ثباتًا في الملف الفلسطيني.
أمّا التصويت الأخير، فهو ببساطة تنسيق فلسطيني–جزائري–عربي أمام مقترح مطروح على الطاولة، وليس تبنّيًا لسياسة واشنطن.
الجزائر في الذاكرة الفلسطينية
السفير الفلسطيني ذكّر بتصريحات الرئيس محمود عباس المتكررة التي أشاد فيها بالمواقف الجزائرية.
وعبر التاريخ:
-
الجزائر كانت أول دولة عربية تستضيف إعلان قيام دولة فلسطين 1988.
-
أول دولة تعترف دبلوماسيًا بها وتطلق سفارة كاملة لها.
-
من أوائل الدول التي وفّرت دعمًا ماليًا وعسكريًا وسياسيًا للمقاومة منذ السبعينيات.
وبالتالي، فإن الفلسطينيين يعرفون أن التحرك الجزائري لا يمكن أن يكون على حساب القضية.
خلاصة: الجزائر لم تصوّت لأمريكا… بل صوّتت لفلسطين
المسألة الجوهرية التي يغفلها بعض التحليلات هي:
الموقف الذي صاغه الفلسطينيون هو الذي صوّتت له الجزائر.
وبينما تبقى واشنطن طرفًا مؤثرًا في المعادلة الدولية، فإن الجزائر اختارت — وفقًا لما صرّح به الفلسطينيون — العمل ضمن دائرة المصلحة الفلسطينية وليس المصلحة الأمريكية.
ولذلك، جاء البيان الفلسطيني واضحًا في تقديره للموقف، بل واعتباره جزءًا من دعم الجزائر التاريخي الذي “لا يتغير ولا يتبدل”.

