في الوقت الذي ترفع فيه السلطات المغربية شعارات الانفتاح والإصلاح و”تمكين الشباب”، يعيش الشارع المغربي منذ أواخر سبتمبر على وقع احتجاجات شبابية متصاعدة، سرعان ما تحولت إلى اختبار حقيقي لشعارات النظام المخزني حول الديمقراطية وحرية التعبير.
فالحركة الشبابية التي انطلقت في مدن متعددة للمطالبة بتحسين الخدمات الاجتماعية والدفاع عن حرية الرأي، وجدت نفسها في مواجهة المقاربة الأمنية القديمة ذاتها: الاعتقالات، المحاكمات، والتضييق الإعلامي.
بحسب تقارير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، صدرت في الأسابيع الأخيرة أحكام سالبة للحرية تراوحت بين شهر وسبعة أشهر في حق شباب شاركوا في احتجاجات سلمية أو نشروا مضامين تضامنية مع القضية الفلسطينية.
وجاء في بيان فرع الجمعية بالرباط أن هذه الممارسات تمثل “انتهاكًا صارخًا للحقوق الأساسية المكفولة دستوريا ودوليا”، داعيًا السلطات إلى احترام حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، بدل تجريم التعبير والاحتجاج.
وتُبرز الجمعية في تقاريرها الأخيرة “تراجعًا مقلقًا في منسوب الحريات”، خصوصًا بعد أن تحولت التظاهرات ذات الطابع الاجتماعي إلى ملفات جنائية، تُحاكم فيها النوايا أكثر من الأفعال، وهو ما يعيد إلى الأذهان سنوات “القبضة الحديدية” التي ظن كثيرون أنها ولّت مع دستور 2011.
من جهتها، اعتبرت المحامية سارة سوجار أن ما يجري اليوم “يكشف عن التناقض العميق بين الخطاب الرسمي والممارسة الواقعية”، مؤكدة أن “جميع المتابعين من فئة الشباب، في الوقت الذي يتحدث فيه النظام عن تمكينهم وإشراكهم في الحياة العامة”.
وأضافت أن “المغرب يعيش بسرعتين: سرعة الخطابات التي تتحدث عن الديمقراطية، وسرعة الممارسات التي تضيق على الفضاء العام وتقيد الشباب المطالبين بحقوقهم”.
هذا التوصيف يعكس حالة الازدواجية التي يعرفها المشهد السياسي المغربي منذ سنوات؛ حيث تُعرض صورة لبلد مستقر ومنفتح على الخارج، بينما في الداخل تتكاثر مؤشرات الاحتقان: غلاء المعيشة، ضعف الخدمات، وغياب الحوار الجاد بين السلطة والمجتمع المدني.
وفق إحصائيات صادرة عن الحركة الشبابية المغربية، فقد تم توقيف أكثر من 2000 شاب خلال الاحتجاجات الأخيرة، من بينهم 1000 معتقل حاليًا و330 قاصرًا.
وتشير تقارير محلية إلى أن التهم الموجهة لبعضهم تتعلق بـ”التحريض عبر الملصقات” أو “إهانة هيئة منظمة قانونيًا”، بل إن بعض المتابعين أُدينوا فقط بسبب ارتدائهم قمصانًا تحمل شعارات اجتماعية أو تضامنية مع فلسطين.
هذه الوقائع تضع السلطات المغربية في موقف حرج أمام الرأي العام المحلي والدولي، خاصة وأن الحكومة كانت قد وعدت سابقًا بإطلاق “جيل جديد من الإصلاحات السياسية”، تضمن المشاركة الفعلية للشباب في الشأن العام.
أمام تصاعد الانتقادات، يلوذ المسؤولون بالصمت، فيما تواصل وسائل الإعلام الرسمية التعتيم على حجم التوقيفات والمحاكمات.
لكن في المقابل، تتنامى الأصوات داخل المغرب وخارجه الداعية إلى انفراج سياسي وحقوقي حقيقي، وإلى إطلاق سراح المعتقلين باعتبارهم “موقوفين على خلفية الرأي”.
ويرى مراقبون أن تجاهل المطالب الشبابية سيزيد من تعميق الهوة بين الجيل الجديد والمؤسسات، خاصة في ظل انعدام الثقة في الخطابات الرسمية التي فقدت مصداقيتها أمام الواقع المعيشي المتدهور وغياب العدالة الاجتماعية.
المغرب اليوم يقف بين واجهتين متناقضتين: واجهة الإصلاح المعلن التي تُسوّق في الخارج، وواجهة الجمود الداخلي الذي تُغلفه القبضة الأمنية.
فما جدوى لجان الحوار والبرامج التنموية إن كانت أولى ردود الدولة على احتجاج سلمي هي الاعتقال والسجن؟
وهل يمكن إقناع الشباب بالمشاركة السياسية في ظل تجريم الكلمة وتكميم الفضاء العام؟
ما يجري اليوم في شوارع الرباط والمدن المغربية الأخرى ليس مجرد “احتجاجات محدودة”، بل هو مرآة عاكسة لخلل بنيوي في علاقة السلطة بالمجتمع، ولتآكل الثقة في المؤسسات.
فمن دون انفراج سياسي حقيقي واعتراف بحقوق المواطنة، سيظل الشارع المغربي يغلي تحت الرماد، بانتظار لحظة تنفجر فيها كل التناقضات دفعة واحدة.

