الفرق بيننا وبينهم ليس حدودًا تُرسَم، ولا خرائط تُطوى؛ بل هو فاصلٌ وجوديٌّ ينكشف في ذلك المشهد التاريخي الذي انشقت فيه الحقيقة من جوف السياسة، وتجلّى الصدع بين رؤيتين:
رؤيةٌ تجعل الأرض موطنًا للإنسان… ورؤيةٌ تجعل الإنسان عبدًا لنصٍّ يدّعي امتلاك الأرض.
في “كامب ديفيد” عام 2000، قال ياسر عرفات عبارته الشهيرة:
“فلسطين لا دين لها.”
لم يكن يعطّل هوية، ولا ينزع عقيدة؛ بل كان يحاول أن يقدّم الوطن كفكرةٍ تتجاوز الطوائف، وأن يقدّم فلس*طين بوصفها أرضًا يتجاور فيها الناس جميعًا، لا ساحة خصومةٍ بين مئذنةٍ وجرس، بل حيّزًا يتّسع للهلال والصليب معًا تحت سماءٍ واحدة.
لكن “إيهود باراك” ردّ بما يفضح جوهر المشروع الآخر:
“أمّا نحن، فوجودنا هو اليهـو*دية.”
هي ليست عبارة سياسية، بل إعلانٌ صريحٌ بأن الصهـ*يو.نية ليست مشروعًا وطنيًا، بل عقيدةٌ تسير على قدمين، وأن وجودهم لا يستمد شرعيته من التاريخ أو القانون، بل من نصٍّ يزعمون أنه فوّضهم، ومن وعدٍ يعتبرونه سابقًا على الجغرافيا والإنسان.
ومنذ 1948… اختلّ الميزان.
أمّةٌ تراجع يقينها، تواجه كيانًا يستمدّ صلابته من اعتقادٍ يرى نفسه امتدادًا لنبوءةٍ مقدّسة.
عقلٌ عربيٌّ تشتّت بين القومية، والحداثة، والعلمانية، والمشاريع المستوردة، بينما المشروع المقابل يسير خلف فكرة واحدة:
“نحن هنا لأن الربّ قال لنا أن نكون هنا.”
فكان طبيعيًا أن تضيع البوصلة، ويُشوَّه الوعي، ويتحوّل الصراع من صراع عقيدةٍ إلى مشهد سجالٍ إعلامي وسياسي عقيم.
ويبقى السؤال الأكبر…
كيف يُنتظر النصر من أمّة جعلت الإيمان زخرفة خطابٍ ومقطعًا في نشيد، بينما جعلوه هم أصلًا كونيًا لوجودهم؟
الحقيقة الأعمق من كلّ خطاب…
فلس*طين ليست قطعة أرض؛ إنها قطعةٌ من السماء استقرّت على الأرض، وحملتها عقيدة رجالٍ لم يساوموا، ولم يبدّلوا، ولم يبيعوا سرّ المسجِد الذي عُرج منه نبيّ الرحمة إلى العُلا.
ولذلك فإن شعارات: “كل شيء ممكن”،و”التسويات الواقعية”، “توازنات القوى”—كلها أوهامٌ صغيرة أمام وعدٍ إلهيٍّ هو الرسم والتاريخ؛ رسم لا تفرضه مؤتمرات، ولا تلغيه صفقات.
القد*س ليست ورقة تفاوض، ولا ملفًّا يُدار في العواصم.
القد*س قبلةٌ ومحرابٌ ومسرى نبوّة…
ومن جحد ذلك، فقد جحد دينه قبل أن يلغي دنياه..
والمحصلة .. صلاة القد*س ستعود إلى سجادها، بنا أو بغيرنا؛
ومن رأى فلس*طين مجرّد صراع على قطعة أرض، فقد تعرّض لـ”اغتصابٍ عقليٍّ” أطاح ببوصلة عقيدته.
وليغتسل من الحدث “الأكبر”؛ فالقضية ليست عقارًا يُباع… بل هوية أمةٍ ومحور صيرورتها، وخطّ اختبارٍ يُكشف أصالة المعدن من زيفه.

