الجلفة – تشكل مظاهرات يومي 1 و 2 نوفمبر 1961 بمدينة الجلفة, ذكرى تاريخية لا تنسى وشاهدا على ملحمة لن تمحى من ذاكرة الجزائريين الذين عاشوا هذه المحطة المفصلية التي أعطت صورة مشرفة عن تلاحم سكان المنطقة مع الثورة التحريرية المظفرة.
وجسدت جدارية نصبت بوسط مدينة الجلفة بحي “الضاية” عام 2015 بمبادرة من جمعية “الفاتح نوفمبر لتخليد وحماية مآثر الثورة”, هذا الحدث كشاهد على التاريخ وأرفقتها بتوثيق يسرد الماضي المشرف للمنطقة.
وتبرز هذه الجدارية خروج السكان في مظاهرات سلمية ضد سلطات الاحتلال الفرنسي، استجابة لمنشورات كانت قد وزعتها خلايا جبهة التحرير الوطني تدعو الى هذا الخروج السلمي, مؤازرة للمجاهدين الذين كان همهم الوحيد استقلال الجزائر ووحدتها.
وإستنادا لما هو مدون على هذه الجدارية, انطلق السكان من مختلف الأحياء والتقوا بوسط المدينة بمحاذاة “مسجد بن معطار” على وقع زغاريد النساء, حاملين العلم الوطني ومرددين شعار “تحيا الجزائر” بمشاركة الرجال والنساء وحتى الأطفال الذين تعالت أصواتهم منادين بالحرية للوطن.
وحسب وثائق بحثية لعدد من المختصين في التاريخ وكتابات لمهتمين بمآثر الثورة بالمنطقة, فإن هذه المظاهرات التي بدأت في شكل تجمعات عبر مختلف أحياء الجلفة في الفاتح من نوفمبر 1961, شهدت صدامات مع جنود المستعمر لتتفرق وتعاود مسيرتها من جديد في نفس اليوم وكذا في اليوم الموالي.
وفي رد سريع لقوات الاستعمار, تم محاصرة المتظاهرين واعتقال بعضهم, ما أدى إلى إصابة الكثير من المواطنين واستشهاد كل من بوصري الدراجي وطوير الحاج عطية, هذا الأخير الذي قام بكل شجاعة بانتزاع سلاح رشاش من يد عسكري فرنسي إلا أن رصاصات جنود الاحتلال الغاشم طالته ليسقط شهيدا في ميدان الشرف.
ولأن هذه المظاهرات كان لها صدى واسع, أصدرت السلطات الاستعمارية قرارا يقضي بفرض حظرا للتجوال إلا أن المواطنين تشبتوا, وبكل إصرار, بتنظيم حركة سلمية مناهضة للاستعمار صدح فيها شعار “الحرية للجزائر”.
واعتبر أستاذ التعليم العالي بقسم التاريخ بجامعة “زيان عاشور” بالجلفة, مصطفى داودي, أن هذا الحدث جاء في سياق تاريخي مفصلي, باعتبار أن الثورة الجزائرية كانت تعيش حينها أدق مراحلها من خلال بلوغ المفاوضات الجزائرية-الفرنسية أوجها تمهيدا لاتفاقيات إيفيان, خصوصا حينما جاء الإصرار الفرنسي على إبقاء الصحراء الجزائرية ضمن النطاق الفرنسي.
وأشار ذات المتحدث الى أن هذا الأمر لقي رفضا قاطعا من قبل قادة المفاوضات والثورة والشعب عامة وكان لا بد من تحركات مفصلية لإحباط هذا المخطط الفرنسي, إذ لزاما على سكان الصحراء أن يظهروا لفرنسا بأنه لا يمكن فصل هذا الجزء الذي لا يتجزأ وأن الجزائر واحدة وموحدة, وهو ما عبرت عنه مظاهرات الجلفة وكذا مظاهرات ورقلة في 27 فبراير 1962.
بدوره, أشار الأمين العام لجمعية “أول نوفمبر وتخليد مآثر الثورة”, الأستاذ والباحث الخليفة لبوخ, أن ما حدث يومي 1 و2 نوفمبر 1961 بمدينة الجلفة من تظاهر سلمي للمواطنين لم يكن بمحض الصدفة, بل كان بمثابة انتفاضة تترجم مدى المساندة الشعبية المطلقة للثورة التحريرية، تزامنا مع المفاوضات التي كانت جارية مع الاحتلال الفرنسي الذي كان يحاول المراوغة لفصل الصحراء الجزائرية عن شمال البلاد. ولهذا, جاء هذا النداء القوي بالولاية التاريخية السادسة للخروج في بعض المدن الجنوبية للتعبير بشكل سلمي عن وحدة الوطن والتعبير عن الرفض القاطع للمساومة على أي شبر من هذه الأرض الطاهرة.

