لم تكن حادثة اختطاف الشيخ أحمد بن مكتوم في مالي مجرد أزمة عابرة، بل كانت صفعة مدوّية أسقطت القناع عن دويلة اعتادت بناء نفوذها بالمال لا بالسياسة، وبالاستعراض لا بالقوة، وبالدعاية لا بالمواقف. في ساعات قليلة فقط، تحولت أبوظبي من كيان يدّعي قيادة “حرب على التطرف” إلى ممول مباشر لجماعة مسلحة مرتبطة بالقاعدة، حين دفعت 23 مليون دولار نقدًا داخل فندق “راديسون” في باماكو لإنهاء أزمة كشفت هشاشة غير مسبوقة في منظومتها الأمنية والدبلوماسية.
الصفقة التي روّج لها الإعلام الإماراتي كـ“انتصار” ليست سوى دليل إدانة، فضيحة سياسية وأخلاقية يصعب على الأبراج اللامعة والقصور الذهبية أن تغطيها. فالذي يدفع كل هذا المبلغ في حقائب دبلوماسية وطائرة خاصة، ليس دولة قوية، بل سلطة مذعورة عاجزة عن إدارة أزمة رهينة واحدة من دون اللجوء لدفتر الشيكات، سلطة تملك قواعد عسكرية في إفريقيا وطائرات متطورة ولكنها ترتجف أمام مجموعة مسلحة في غابة.
الأخطر من كل ذلك أن هذه الأموال لم تُنقذ شخصًا فقط، بل أعادت إحياء خلايا متطرفة، وفتحت باب تجنيد جديد، وأطلقت عناصر كانت خارج الساحة، أي أنها لم تكن مجرد “فدية”، بل كانت عملية تمويل مباشر لنفس الجماعات التي تزعم أبوظبي محاربتها ليلًا ونهارًا في الإعلام والمنتديات الدولية. أي تناقض أكبر من هذا؟ كيف يمكن لكيان يرفع شعار “مكافحة الإرهاب” أن ينعش خزائن الإرهاب؟ كيف يمكن لمن يتهم الدول الأخرى بالتمويل أن يقدم 23 مليون دولار نقدًا، وفي وضح النهار، لتنظيمات تقول تقاريره الرسمية إنها عدوّة له؟ الإجابة واضحة: تلك لم تكن حربًا على التطرف يومًا، بل كانت حربًا على ما لا يخدم مشروع النفوذ الإماراتي، أما الجماعات المسلحة فتبقى وسيلة وأداة وورقة ضغط متى احتاجتها السياسة.
وبينما كانت الحقائب المليونية تتنقل في أروقة الفندق، كان إعلام أبوظبي يرتّب مشهد “البكاء الوطني”، حيث تُبث الأناشيد وتُلتقط الصور وتُصنع صورة بطل من ورق، وكأن “العودة” نتيجة حنكة سياسية وليس شراء خروج. ما حدث لم يكن بطولة، بل عملية شراء، صفقة تجارية مكشوفة لا تختلف عن أي مساومة في سوق مغلق، فقط بثمن أغلى وبنفاق أكبر.
هذه الحادثة ستبقى وصمة عار في سجل الإمارات، لأنها كشفت ما عجزت الدعاية عن إخفائه: أن القوة ليست في ارتفاع الأبراج، ولا في عدد الطائرات، ولا في كثافة الخطاب. القوة في الموقف، في القدرة على إدارة الأزمات دون دفع فدية لمسلحين، في حماية المصالح دون أن تتحول إلى ممول غير مباشر لمن تصفهم بـ“الإرهابيين”. لكن أبوظبي اختارت الطريق الأسهل: ادفع واهرب، اشتري المخرج، ثم أطلق حملة إعلامية تعيد تدوير الحقيقة وتصبغها بلون الذهب، بينما الواقع يفضح كل شيء.
ما حدث في مالي لم يكن حادثة، بل اعترافًا صريحًا بأن النفوذ المزعوم هش، وأن الخطاب المصنوع أعجز من أن يصمد أمام اختبار بسيط، وأن الدولة التي تبني هيبتها على المال ستنهار عند أول عاصفة. ومن يدفع 23 مليون دولار لتنظيم متطرف اليوم، سيجد نفسه غدًا يدفع أكثر، لأن من يمول جماعة مسلحة مرة… يصبح رهينة لديها إلى الأبد.

