تاجنانت، الجزائر – خيم الحزن العميق على مدينة تاجنانت وكل الجزائر بعد رحيل السيدة يامينة، المعروفة بلقب “مربية الأيتام”، عن عمر ناهز 75 عاماً. وفاتها لم تكن مجرد نهاية حياة إنسانية فحسب، بل طويت معها صفحة من أروع قصص التضحية والإيثار التي شهدتها البلاد، حيث فارقت خالتي يامينة الحياة قبل أن ترى حلمها البسيط يتحقق، وهو بناء منزل جديد يليق بها بعد سنوات من المعاناة، ضمن حملة تضامن وطني سعت لإعادة الكرامة لامرأة أفنت حياتها في خدمة الآخرين.
لقد عاشت السيدة يامينة في كوخ قصديري متداعٍ لا يليق بالإنسان، يفتقر إلى أبسط ضروريات الحياة من مطبخ وحمام ومرافق أساسية. ورغم قسوة الفقر وصعوبة العيش، اختارت أن تقدم حياتها لتربية طفلين يتيمين لم تربطها بهما أي صلة دم، فكرست لهما عشرين عاماً من حياتها لتغرس فيهما القيم والأخلاق، ولتمنحهما ما تستطيع من رعاية ومحبة، لتكون مثالاً حيّاً على معنى الإيثار والرحمة. كانت أمنيتها بسيطة ومؤثرة: “قصدير ما يقطرش”، دلالة على حاجتها الملحة لمسكن آمن يحميها ويحمي اليتيمين.
لم تُعرف قصتها إلا قبل نحو شهر ونصف، عندما سلط برنامج “اليد في اليد” الضوء على وضعها الإنساني، ليهز التقرير وجدان الجزائريين. لم يتأخر المجتمع المدني ووسائل الإعلام عن إطلاق حملة تضامن واسعة، حيث تبرع المواطنون والهيئات الخيرية لبناء منزل جديد يليق بإنسانيتها، وبدأت أعمال هدم الكوخ القديم وانطلقت ورشات البناء على وجه السرعة.
لكن القدر شاء أن ترحل خالتي يامينة قبل أن ترى ثمرة جهود الخيرين. فارقت الحياة بينما كانت أعمال البناء مستمرة، تاركة خلفها طفلين كبر في حضنها، وقصة إنسانية أبدعت فيها معنى العطاء والتضحية، لتصبح مثالاً حيّاً يُحتذى في التضامن الاجتماعي.
نود هنا أن نضع فقرة تأبينية خاصة، تعكس تقدير المجتمع الجزائري لهذه المرأة الاستثنائية: رحم الله خالتي يامينة، المرأة النبيلة التي علمتنا أن العطاء لا يُقاس بالغنى، وأن الرحمة أوسع من الظروف، وأن القلب الكبير قادر على تغيير حياة الآخرين. لقد تركت إرثاً لا يُنسى من الإنسانية، وسيظل اسمها محفوراً في قلوب كل من عرفها أو سمع قصتها. نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، ويجعل كفالتها لليتيمين شفيعاً لها يوم القيامة، وأن يكمل لهم حلمها في المسكن الآمن الذي سعت إليه طيلة حياتها.
هذه القصة الإنسانية لم تقتصر على إظهار معاناة فقير وحده، بل كشفت أيضاً قوة المجتمع الجزائري في التضامن والتكاتف، وكيف يمكن للروايات الفردية أن تلهم حملات وطنية لإعادة الأمل والكرامة للمحتاجين. فقد أثارت وفاة خالتي يامينة موجة من التعاطف والإجلال في الأوساط الشعبية والرسمية، وسرعان ما وعدت الجهات المعنية بمواصلة بناء المنزل حتى اكتماله، ليصبح صدقة جارية عنها، وملاذاً آمناً للأطفال اللذين ربتهم بكل حب وإخلاص.

