يشهد المغرب منذ أسابيع موجة احتجاجات اجتماعية متصاعدة تتجاوز مطالبها المحلية لتطرح أسئلة كبرى عن استقرار المنطقة بأسرها. الأحداث لم تعد محلية الطابع فقط، بل تُعتبر كابوسًا استراتيجيًا لبعض العواصم الإقليمية، وعلى رأسها أبوظبي، التي تتابع الموقف عن كثب من خلال اجتماعات أمنية ومخابراتية مكثفة. رغم بُعد المغرب الجغرافي، إلا أن محمد بن زايد والإمارات يبدون قلقين واضحين، ليس فقط بسبب توسّع الموجة الاحتجاجية، بل لأن سيناريوهات الانتشار الاجتماعي تُعيد إلى الأذهان موجات 2011 في تونس ومصر، وتطرح تحديًا لإدارة النفوذ الإقليمي التي تعتمدها أبوظبي. بعض التقارير تشير إلى أن الاجتماعات التي عقدها ابن زايد خلال يوم واحد تجاوزت ثلاث جلسات طارئة، ركّزت على تقييم التطورات وتقدير مدى انتشار الحراك الاجتماعي وتأثيره على مصالح التحالفات الإقليمية. خوفا من الحراك المغربي، أعلن الحرس الوطني الإماراتي اليوم بدء تعيين دفعة كبيرة من المجندين لتأمين مطارات أبوظبي. الخبر قُدِّم كإجراء اعتيادي عابر، لكن ما وراءه يحمل دلالات أكبر في القصر، إذ
منذ اندلاع احتجاجات المغرب يتكرر الحديث في الاجتماعات المغلقة عن السيناريوهات الأسوأ وضرورة رفع الجاهزية. التجنيد في الحرس الوطني وتوسيع صلاحياته على حساب الشرطة ليس سوى استجابة مباشرة لذلك الخوف. هذا النهج قديم، فمنذ الربيع العربي 2011 هرع محمد بن زايد لتجنيد مرتزقة من كولومبيا وأمريكا اللاتينية لحماية القصور إذا اهتز الشارع، وكان الهدف الأكبر هو الحماية من أبناء عمومته وإخوته. واليوم، مع كل رائحة تغيير في المنطقة، يضاعف استثماراته في الأمن الخاص كما يفعل دائمًا. نشر عناصر الحرس في المطارات مع إدارة أمنية يقودها محمد بن زايد وابنه خالد يعكس هوسًا بالسيطرة وحماية نفسه أكثر من حماية المطارات نفسها، وهو تعبير عن خشية النظام من الداخل أكثر من الخارج.
ومع كل أزمة إقليمية، يختبئ النظام خلف عدد إضافي من الجنود تحت شعار “التأمين”، بينما يُحكم قبضته على منافذ البلاد وعلى مؤسسات الحكم معًا، مؤكّدًا أن هذا النهج يعكس ذعرًا قديمًا يرتدي اليوم لباسًا جديدًا. تحركات أبوظبي هذه مرتبطة أيضًا بتحالفاتها الإقليمية، خصوصًا مع تل أبيب، بهدف تأمين غطاء سياسي وعسكري يتيح لها أدوات استباقية في مواجهة أي اضطرابات محتملة. وما يزعج النظام ليس مجرد الاحتجاج في بلد شريك، بل إحساس متزايد بأن نموذج إدارة السلطة الذي أسسه هش أمام موجات الغضب الشعبي، وأن التحالفات القائمة على النفوذ المالي والسياسي ليست كافية لضمان استقرارها. وفي هذا السياق، تُظهر الاحتجاجات المغربية هشاشة السياسات الإقليمية القائمة على إدارة الأزمات بالتحكم الأمني والإعلامي، حيث يتم توجيه السرد الإعلامي لتقليل حجم الحراك وتقوية صورة “الاستقرار”، بينما يواصل النظام مضاعفة السيطرة على منافذ البلاد ومؤسسات الحكم معًا، مؤكدًا أن الاستقرار المصطنع لن يصمد أمام وعي الشعوب المتصاعد وتحركها في الشارع. المغرب اليوم ليس مجرد بلد يواجه احتجاجًا داخليًا، بل مؤشر على تحولات أوسع في المنطقة، تتضح فيها هشاشة التحالفات الإقليمية التي تقودها أبوظبي والإمارات، ومدى تأثير موجات الشارع على سياسات النفوذ الخارجي والأمن الإقليمي.

