في قلب مدينة الجلفة، بعيدًا عن صخب السياسة الوطنية وضجيج العاصمة، تدور معركة صامتة داخل أسوار مديرية الخدمات الجامعية، لا تعلن عنها الصحف، ولا تغطيها القنوات، لكنها تكشف الكثير عن طبيعة الصراع الخفي الذي يحكم العديد من المؤسسات العمومية في الجزائر: صراع بين من يريدون الإصلاح، ومن يريدون الوجبة. منذ تعيين مديرة جديدة على رأس هذه المديرية قبل أشهر، بدأت رياح التغيير تهبّ بقوة غير مسبوقة؛ تغيير مديري الإقامات الذين اعتادوا إدارة مؤسساتهم كملاك صغار، إعادة تنظيم سلاسل التوريد الغذائي التي كانت تدار عبر شبكات مقاولين غير مؤهلين، فرض نظام حضور وانصراف صارم على أعوان لا يكادون يطأون أرض العمل، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع الطلبة لاستقبال ملاحظاتهم دون وسطاء. خطوات بسيطة من الناحية الإدارية، لكنها هزّت عرش لوبيات مصالح راسخة منذ عقود، تعيش على الغموض، وتتغذى على الفوضى، وترفض أي شكل من أشكال الضبط أو المساءلة.
لم تكد المديرة تبدأ إصلاحاتها حتى بدأت حملة تشويه منسقة تستهدف شخصها قبل قراراتها. ظهرت صفحات مجهولة على فيسبوك، وأنشئت حسابات وهمية تدعي تمثيل الطلبة، لكنها تنشر منشورات بلغة واحدة، وأهداف متطابقة، تركز على التشهير بالمديرة واتهامها بالتعسف والتمييز، دون أن تشير ولو مرة إلى جودة الطعام أو نظافة الإقامات أو شفافية التوزيع. الغريب أن هذه الحسابات تختفي فور انتهاء كل أزمة، كأنها وحدات مؤقتة تفعل عند الحاجة ثم تطوى، مما يوحي بوجود غرفة عمليات خلف الكواليس، لا تهتم بمطالب الطلبة بقدر اهتمامها بإسقاط مديرة لم تطلب “البركة” من أصحاب النفوذ المحلي. وسرعان ما تصاعدت الحملة من الفضاء الافتراضي إلى الواقع، حين قامت مجموعة صغيرة لا تتجاوز حفنة من الأشخاص، في مطلع ديسمبر الجاري، بإغلاق مطعم إحدى الإقامات الجامعية، ومنعت العمال من الدخول، ودفعت إلى احتكاك مفتعل مع أعوان الأمن، كل ذلك تم تصويره ونشره بكثافة ليبعث برسالة موحدة إلى الوصاية في العاصمة: “الوضع يفلت من عقاله، والمديرة فاشلة”.
لكن التفاصيل الميدانية تروي قصة أخرى. فغالبية الطلبة، الذين يشكلون الالاف، لم يشاركوا في الحادثة، بل عبروا عن غضبهم من من يعرقل وصول الوجبات اليومية بحجة “مطالب” لا تمثّلهم. وتدخلت السلطات المحلية فورا، وأعادت فتح المطعم، وحرّكت دعوى إدارية ضد من عطل سير مرفق عمومي، مما يطرح تساؤلات مشروعة: من يقف خلف هذا التمثيل؟ ومن يمول هذه “الثورة” المصغرة؟ التحقيقات الميدانية تشير إلى أن الخيط لا ينتهي عند طلبة مستغلين، بل يمتد إلى شخصية إدارية بارزة في ولاية مجاورة، يشغل منصب مدير خدمات جامعية هناك، وله سمعة في التلاعب بالعلاقات والتعيينات. مصادر موثوقة داخل الإدارة الجامعية كشفت أن هذا المسؤول يراقب الوضع في الجلفة عن كثب، ويعمل من الخفاء عبر شبكة من الموظفين السابقين والمقاولين المحليين والوكلاء، بهدف خلق أزمة إدارية تبرر لاحقا نقله إلى الجلفة ليتولى المنصب نفسه، مستغلا فراغا صنعته يداه.
هنا، لا يتعلق الأمر بصراع على مبدأ أو رؤية، بل على “وجبة”. في دواليب الإدارة الجزائرية، يُفهم مصطلح “الوجبة” على أنه حصّة من الكعكة: عقد توريد، منصب مدير، عقد صيانة، أو حتى ترتيب في قوائم التوظيف. وكل من يدخل المؤسسة دون أن يطلب نصيبه، بل ويهدّد بتقسيمها بالعدل، يصبح هدفًا مشروعًا للتآمر. واللافت أن بعض الجهات لم تتردد في استغلال كون المديرة امرأة، فاستخدمت خطابا تمييزيا ضمنيا يشكك في قدرتها على “السيطرة” أو “اتخاذ القرار”، كأن القيادة ملك للرجال وحدهم. ومع ذلك، لا تزال المديرة صامدة، وتجمع الوثائق، وتوثّق كل محاولة تدخّل أو تهديد، واعية أن القوة الحقيقية لا تكمن في الخطاب، بل في الأدلة التي تُقدّم إلى الجهات الوصية.
المشكلة الأعمق لا تكمن في الجلفة وحدها، بل في ثقافة الإفلات من العقاب التي تسمح لمثل هذه اللوبيات بالبقاء والتمدد. فطالما أن التشويه يكافأ، والفوضى تستخدم كوسيلة للوصول إلى المناصب، والشفافية تعاقب، ستظل المؤسسات العمومية فريسة لمن يجيدون لعبة الظلام أكثر مما يجيدون إدارة المرافق. الطلبة، في النهاية، لا يطالبون بثورة، ولا بشعارات، بل بوجبة ساخنة، وإقامة نظيفة، وعدالة في التوزيع. أما من يصنعون “المرميطة” من خلف الكاميرات وخلف الأبواب المغلقة، فهم يعرفون جيدًا أنهم لا يخدمون لا الطلبة ولا الوطن، بل شهيتهم على “الوجبة” التي صارت هاجسهم الوحيد. واليوم، تبقى الجلفة اختبارا حقيقيا: هل ستكتب نهاية مختلفة هذه المرة؟ أم أن العدالة الإدارية، كالعدالة الاجتماعية، ستظل حلمما مؤجلا؟

