في مشهد يبعث على القلق ويثير الريبة، اندلعت خلال الساعات الماضية سلسلة حرائق متفرقة في ثماني ولايات مختلفة من البلاد، في توقيت واحد تقريبًا، رغم أننا نعيش بداية فصل الشتاء حيث تنخفض درجات الحرارة وتقلّ احتمالات الاشتعال الطبيعي بشكل كبير. هذا التزامن الغريب، في ظرف زمني متقارب، وفي نقاط جغرافية لا تربطها أي علاقة مناخية مباشرة، يجعل من الصعب تصديق أنّ ما حدث مجرد حادث عرضي أو نتيجة تقلبات جوية عابرة. ما يجري يتجاوز الحوادث الغابية المعتادة، ليقترب أكثر من سيناريوهات “الفعل المتعمد” أو “الافتعال المنهجي”.
منذ سنوات، تتعرض الجزائر لضغوط جيوسياسية وإعلامية مستمرة، خصوصًا في ظلّ التوتر الإقليمي في شمال إفريقيا، واشتداد النزاع حول ملف الصحراء الغربية، وارتفاع قيمة الطاقة في السوق الدولية. هذه العوامل تجعل البلاد هدفًا مغريًا لأي جهة تسعى لإرباك الداخل أو استنزاف قدراته. وفي ظل هذا السياق الحساس، يبدو أن موجة الحرائق الأخيرة لا يمكن فصلها عن تلك الخلفيات، خصوصًا وأنها جاءت في لحظة هادئة من العام، وفي فصل لا يساعد عادة على انتشار النار، مما يرفع من احتمال وجود “فاعل” خلف الستار، وليس مجرد حرارة جافة أو شرارة طبيعية.
ورغم أن التحقيقات الأولية لم تؤكد بعد وجود يد بشرية، إلا أنّ أنماط الاشتعال وسرعة انتشارها في نقاط متعددة دفعت بعض مصادر الحماية المدنية إلى الإشارة — وإن بحذر — إلى “سلوك غير طبيعي” للنيران في بعض المواقع. تصريحات غير رسمية أشارت إلى أن اشتعال نقاط مختلفة في وقت قصير، وفي مواقع متباعدة، لا يشبه الحوادث العفوية التي تعرفها البلاد عادة، بل يميل أكثر إلى سيناريو متزامن، ممنهج، ومدروس. بالتوازي مع ذلك، ظهرت على مواقع التواصل عشرات الصفحات المشبوهة التي سارعت إلى نشر مقاطع قديمة أو مفبركة، ومحاولة صناعة حالة من الهلع، وكأن هدفها تغطية الحدث الحقيقي بضجيج إعلامي مفتعل، وهي طريقة معروفة في “العمليات المركّبة” التي تجمع بين الفعل التخريبي على الأرض والتضليل الرقمي في الفضاء الأزرق.
التاريخ القريب يذكرنا بأن الجزائر كانت دائمًا هدفًا لمحاولات إشعال حرائق متعمدة خلال الفترات الحساسة. تصريحات مسؤولين أمنيين سابقين أكدت في عدة مناسبات وجود خلايا تسعى لإشعال مناطق غابية بالتوازي مع أحداث سياسية أو أزمات اجتماعية، وهي معطيات لا يمكن تجاهلها اليوم في ظل ما يحدث. يبقى السؤال المحوري: من المستفيد من إشعال البلاد في هذا التوقيت تحديدًا؟ هل هي شبكات إجرامية مرتبطة بالمتاجرة بالخشب وتهريب الموارد الغابية؟ هل هي جهات داخلية مستفيدة من خلق الفوضى وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة؟ أم أن هناك أيادي خارجية ترى في إرباك الجزائر فرصة لإعادة تشكيل موازين المنطقة؟ كل الفرضيات تبقى مفتوحة، لكن ما تتقاطع حوله أغلب التحليلات هو أنّ الهدف الأساسي يبدو مرتبطًا بإضعاف الدولة واستنزاف قدراتها.
التزامن مع حملة إعلامية موجهة من جهات معروفة بعدائها للجزائر يزيد من الشكوك بشكل كبير، خصوصًا بعدما سارعت قنوات عربية وأخرى إلكترونية إلى تضخيم الحدث قبل أن تتضح المعطيات الميدانية حتى، وكأنها كانت تترقب لحظة الاشتعال لتطلق خطابها المشحون والمتسرع. هذا الاندفاع الإعلامي ليس بريئًا، بل يتناغم مع محاولات سابقة لاستغلال كل أزمة داخلية لصناعة صورة فوضوية عن البلاد.
ورغم كل هذا، أظهرت مؤسسات الدولة خلال الساعات الماضية جاهزية عالية، حيث تدخلت وحدات الحماية المدنية بسرعة كبيرة وبإمكانيات معتبرة، في حين وفّر الجيش الوطني الشعبي دعماً جويًا مهمًا عبر الطائرات المتخصصة في إطفاء الحرائق، وتمّ إجلاء بعض السكان من المناطق المهددة في الوقت المناسب. هذه التحركات أكدت أنّ البلاد اليوم أكثر استعدادًا وقدرة على التحكم في الأزمات مقارنة بسنوات سابقة، رغم حجم التحديات وخطورة التوقيت.
لكنّ الخطر لا يزال قائمًا. فإذا ثبت لاحقًا أنّ هذه الحرائق مفتعلة، فإن البلاد تكون أمام مخطط يتجاوز مجرد حادث ظرفي ليأخذ طابعًا طويل المدى يستهدف إنهاك مؤسسات الدولة، وتشتيت تركيزها، وإغراقها في حالة استنزاف. ما حدث يجب أن يُقرأ بعمق لا بسطحية، لأنه يحمل إشارات واضحة على أن ثمة جهات تتحرك في الظل، تستغل الظروف السياسية والإقليمية، وتلعب على وتر هشاشة بعض النقاط الأمنية والبيئية.
إن الحرائق التي اندلعت في ثماني ولايات خلال ساعات قليلة ليست حدثًا عاديًا، ولا يمكن التعامل معها كخبر موسمي. إنها إنذار استراتيجي يستوجب فتح تحقيقات معمقة، تتبع مصادر الاشتعال، مراقبة الصفحات الرقمية المتورطة في التضليل، وتفكيك أي شبكة تحتمل ارتباطها بما وقع. وإن كانت النيران قد خمدت على الأرض، فإن الأسئلة ما تزال مشتعلة، وما ينتظر الجزائر — إن لم تُقرأ هذه الإشارات جيدًا — قد يكون أخطر مما ظهر على السطح.

