القبائل… رصيد وطني راسخ لا تهزّه أصوات الخارج
في خضمّ التحولات الإقليمية المتسارعة، وبين ضجيج الحملات التي تستهدف استقرار الدول من بوابات الهوية والانتماء، يعود إلى السطح ملفّ “الماك” الذي يحاول البعض، من وراء البحار، إحياؤه في لحظة يبدو فيها أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
الإعلان الأخير لفرحات مهني عن تنظيم ما سماه “احتفالية استقلال القبائل” في 14 ديسمبر، لم يُحدث صدى في الميدان، ولم يحرّك ساكنًا داخل المنطقة التي يدّعي تمثيلها؛ بل شكّل مثالًا جديدًا على مدى القطيعة بين خطاب الخارج، ووعي مجتمع القبائل الذي ظلّ وفيًا لمساره التاريخي المتجذّر في صميم الدولة الجزائرية.
لقد أثبتت الوقائع —مرة بعد مرة— أن مشروع “ماك” بلا قاعدة شعبية، ولا امتداد سياسي، ولا جذور اجتماعية. فالمجتمع القبائلي، الذي كان من أعمدة الثورة ومصادر قوتها، لا يمكن اختزاله في خطاب يُروّج له من باريس، ولا يمكن فصله عن وطنٍ ساهم في تحريره وصون وحدته.
ولعلّ أوضح مؤشر على ذلك أنّ قرى القبائل ومدنها ومؤسساتها المدنية والثقافية لم تُصدر أي دعم، بل صدرت عنها مواقف أكثر وعيًا وصلابة، تُعيد التأكيد على أن الانتماء للجزائر ليس خيارًا ظرفيًا، بل هوية راسخة لا تتغيّر بتقلبات الخارج.
ورغم أن بعض الدوائر الأجنبية تحاول الاستثمار في مشاريع الانقسام —أحيانًا بدوافع سياسية، وأحيانًا بحسابات ضغط ظرفية— فإنّ هذه المناورات تسقط بمجرد احتكاكها بوعي المجتمع الجزائري الذي خبر عبر العقود أساليب الاستهداف وأساليب الردّ، ويدرك تمامًا قيمة الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات.
لقد عبَرَت الجزائر مراحل أكثر خطورة وتعقيدًا، من استعمار دام أكثر من قرن إلى سنوات العنف، ولم تنكسر. واليوم، وهي أكثر قوة واستقرارًا، ليست بحاجة إلى أكثر من التذكير بأن صوت الداخل أعلى من صدى الخارج، وأن وحدة الشعب، بكل تنوعه، ما تزال أهم حصون الدولة.
إنّ القبائل ليست ورقة ضغط في يد أحد، وليست عنوانًا لمشروع خارجي معزول. إنها جزء أصيل من تاريخ الجزائر، وسند ثابت في حاضرها، ورصيد استراتيجي في مستقبلها.
أما المشاريع الوهمية التي تُصاغ في الخارج، فستظلّ تدور في الهواء… لأن الأرض هنا، بكل ثقلها التاريخي والإنساني، اختارت موقفها منذ زمن: الجزائر أولًا… والجزائر دائمًا.

