في زمن الرداءة، حين تنقلب المفاهيم، ويتقدّم الرخيص على الثمين، صار لزامًا على من بقي له مسكة من غيرة وشرف أن يصرخ، لا بالصوت فقط، بل بالحبر والدم، دفاعًا عن هوية تُغتصب على الهواء مباشرة، باسم “الفولكلور”، وتُسحق في المهرجانات تحت أقدام الراقصين والمتسلقين، ويُقدّم للناس تراث أولاد نائل العظيم كأنه فقرة استعراضية في سيرك ترفيهي لا يفرّق بين الحياء والسفاهة، بين المجد والفرجة، بين الكرامة والتهريج.
أيعقل أن تُختزل قبيلةٌ بأكملها في رقصة؟!
أي منطقٍ أعوج هذا الذي يضع الزوايا والفروسية، الجهاد والزهد، البطولة والشعر، في كفة، ويرجّح عليها طبلة ومزمارًا وراقصات متنكرات في زي “الهوية”؟!
أيّ جريمة ثقافية هذه التي ترتكب كل سنة على مسارح الصفقات والتنشيط الثقافي المموّل من صناديق التسطيح؟!
أولاد نائل، من لم يعرفهم فليقرأ كتب التاريخ لا دفاتر المهرجانات، فليدخل الزوايا لا الكواليس، فليتصفح دواوين الشعر لا قوائم المدعوين لحفلات الاسترزاق باسم التراث. أولاد نائل قبيلة أنجبت العلماء والمجاهدين، كانت الزوايا فيها مصانع رجال، والفرسان فيها لا يضعون خيولهم إلا على درب الله، والسيف لا يُشهر إلا في وجه المعتدي، والكلمة لا تُقال إلا إذا كانت صادقة، والحرف لا يُباع إلا على ورق الكرامة، والمرأة لا تُعرض بل تُصان.
فمن سمح لهؤلاء العابثين أن يحوّلوا تراثنا إلى كرنفال تافه؟ من أعطاهم حق التحدث باسمنا؟ من فوّضهم لتقديم هوية أولاد نائل كوجبة فولكلورية جاهزة للعرض؟
نحن لم نكن يومًا نغني في وجه الدم، بل كنا نقرأ الفاتحة على الشهيد قبل أن ننظم الزجل، نقرأ البسملة قبل أن نقول الشعر، ونقرأ التاريخ قبل أن نكذب عليه.
في أي شريعة من شرائعنا، تُقدَّم نساء القبيلة على خشبات الرقص؟ في أيّ تقليد من تقاليدنا، يُربّى الطفل على أن التراث يبدأ بـ”الدربوكة” وينتهي بـ”البارود البارد”؟ ألم تكن الزاوية هي القلب النابض للهوية؟ ألم تكن القصيدة هي وثيقة النسب والمروءة؟ ألم تكن الخيمة مأوىً للكرم لا معرضًا للفرجة؟
قال أجدادنا:
“تراثنا في السرج، لا في المزمار
وفي الحياء، لا في العار
وفي السيف، لا في القيثار”
أين أنتم من شيوخ الزوايا الذين علّموا الناس كيف يكون التراث علمًا وسلوكًا لا استعراضًا وتهريجًا؟ أين أنتم من شعراء أولاد نائل الذين كانت قصائدهم نارًا في وجه الاستعمار، لا زينةً في كُتيب دعائي يُرمى بعد انتهاء العرض؟ أين أنتم من رجال حملوا البندقية في الليل وعلّموا أبناءهم القرآن في الصباح؟ من أولئك الذين بنوا المجد بالحكمة لا بالبهرجة، بالزهد لا بالزغاريد الفارغة؟
قال الشاعر الشعبي:
“اللي تراثو في رقصة، عمره ما يربّي رجال
واللي عرضو في العلن، ما يعرف ستر الخيال”
نستنكر هذا الانحدار الأخلاقي والفكري الذي تتعرض له هوية أولاد نائل، ونرى فيه جريمة مكتملة الأركان، تُرتكب بحق الذاكرة الجماعية، وتُسوّق في إطار “الاحتفال”، بينما الحقيقة أنها عملية تزييف ممنهجة، تُجرى بيد أبنائها أو من ادّعوا نسبًا لها زورًا، وهم في حقيقتهم لا ينتمون إلا لثقافة القطيع المستورد، حيث كل ما يلمع يُعرض، وكل ما يثير الجمهور يُسوّق، ولو كان على حساب التاريخ والكرامة.
كفّوا عن قول “هذا ما يطلبه الجمهور”، فالجمهور لا يُطلب منه أن يرقص على جراحه، بل أن يعرف أصله، ويحفظ شرفه، ويصون ذاكرته. كفّوا عن تحويل بناتنا إلى سلعة، وعن تحريف الشعر الشعبي ليُناسب الإيقاع الإلكتروني. كفّوا عن بيع التراث في أكشاك العرض السريع، فقد شبعنا من مشاهد “الهوية القابلة للاستهلاك”.
نقولها بلا مواربة: الدفاع عن تراثنا واجب ديني وأخلاقي وثقافي. هوية أولاد نائل لا تُدار بمهرجان، ولا تُختصر في فيديو ترويجي، ولا يُقرَأ من فم راقصة. هويتنا تُكتب بالدم، بالحبر، بالصلاة، بالزهد، بالحكمة، بالخيل، بالزاوية، بالشعر، بالفروسية، لا بالهرج والمرج.
تراثنا أعمق من أن يُشرح في دقيقة، وأقدس من أن يُلوَّث في مهرجان.
ومن ظن أن المجد يُشترى برقصة، نقول له ما قاله أحد شعرائنا النائليين:
“اللي باع الأصل برخيص، ما يشرّف لا في عرس ولا في مجلس”
وعليه، فإننا كأبناء هذه الأرض، نعلنها صرخة مدوّية:
لن نسكت، لن نرضى، لن نصمت. سنبقى نحرس تراثنا كما نحرس بيوتنا، نغضب حين يُهان، ونتصدى حين يُزوّر، ونُعلّم أبناءنا أن التراث لا يُغنّى فقط، بل يُحمى، ويُعاش، ويُقدَّس.
فتراث أولاد نائل ليس حكاية تُروى في أمسية، بل شجرة تمتد جذورها في التاريخ، لا يهزّها ريح المهرجانات ولا عبث الصفقات…
وسيظل المجد لمن بنوا، لا لمن رقصوا فوق الأنقاض.