المنتخب الوطني الجزائري يعيش واحدة من أكثر مراحله حساسية في السنوات الأخيرة. ورغم أن النتيجة أمام بوتسوانا حملت فوزاً بثلاثة أهداف مقابل هدف، إلا أن الأداء لم يكن مقنعاً ولم يعكس حقيقة ما ينتظره الأنصار من فريق وُصف طويلاً بمنتخب النجوم. ثم جاءت مباراة غينيا لتعمق الشكوك وتضع الجهاز الفني بقيادة فلاديمير بيتكوفيتش في مرمى النقد، بعد أن بدا الفريق بلا هوية ولا روح، عاجزاً عن اختراق دفاع متماسك، وكأنه مجموعة من اللاعبين المبعثرين أكثر من كونه منظومة موحّدة.
عند النظر إلى المباراتين الأخيرتين، يبرز بوضوح أن المنتخب الجزائري يفتقد إلى خطة لعب واضحة المعالم. الفوز على بوتسوانا تحقق بفضل بعض الاجتهادات الفردية وأخطاء دفاعية للخصم أكثر مما كان ثمرة لعمل تكتيكي منظم. ورغم تسجيل ثلاثة أهداف، إلا أن الفاعلية الهجومية لم تكن مقنعة، بدليل أن الفريق لم ينجح في فرض أسلوبه ولا في السيطرة على مجريات اللعب. أما أمام غينيا، فقد ظهر المنتخب أكثر هشاشة، لا يعرف من أين يبدأ ولا كيف ينهي الهجمات، لتبقى الكرة غالباً بين أقدام اللاعبين من دون أن تتحول إلى فرص حقيقية. هذا العجز لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات تخص غياب هوية لعب واضحة، وتردد في إشراك الأسماء القادرة على صناعة الفارق.
فلاديمير بيتكوفيتش، الذي جاء بخبرة تدريبية أوروبية، لم يتمكن إلى الآن من رسم بصمته على المنتخب. اختياراته التكتيكية كثيراً ما بدت مترددة، وتغييراته خلال المباريات لم تُظهر الفعالية المرجوة. الجمهور الجزائري كان يتطلع إلى مدرب يملك خطة متماسكة، قادر على إعادة الانضباط التكتيكي وصناعة فريق هجومي متوازن، لكن الواقع يشي بعكس ذلك. بيتكوفيتش ومساعده، كما أظهرت تصريحات وتحليلات صحفية، يبدوان في حالة بحث مستمر عن الحلول، دون أن ينجحا في فك شفرة دفاعات المنتخبات التي يواجهانها. هذا العجز أمام غينيا، على وجه الخصوص، سلّط الضوء على محدودية الأسلوب الفني المعتمد، وأكد أن المنتخب بحاجة إلى مراجعة جذرية.
لكن المدرب ليس وحده المسؤول عن هذا الوضع. غياب الفعالية الفردية لدى اللاعبين كان عاملاً أساسياً في تضخيم الأزمة. أسماء كبيرة لم تُظهر المستوى الذي يشفع لها، واللاعبون الجدد الذين كان من الممكن أن يضخوا دماءً جديدة لم يجدوا طريقهم إلى التشكيلة بالشكل الكافي. الخط الأمامي ظهر عاجزاً عن استغلال أنصاف الفرص، والوسط لم يكن قادراً على إيجاد التوازن المطلوب بين الاسترجاع والبناء الهجومي، فيما بدا الدفاع مرتبكاً عند أول ضغط جاد. بمعنى آخر، المنتخب بدا فريقاً بلا انسجام، أقرب إلى أفراد متفرّقين يلعبون بشكل منفصل، وهو ما جعل الجمهور يتحدث بسخرية عن أن “الفريق يسير بالهاتف” بدل أن يكون له مشروع جماعي واضح.
ردود الفعل في الشارع الكروي الجزائري عكست حالة الإحباط. الجماهير لم ترَ في الأداء سوى صورة باهتة لفريق بلا روح ولا هوية. التعليقات في وسائل الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي ذهبت إلى حد القول إن المنتخب لعب من دون عزيمة، وأن لاعبيه ظهروا وكأنهم غير معنيين بالنتيجة. هذا الغضب الشعبي لم يأت فقط من حرص المشجعين على الانتصارات، بل من شعور أعمق بخيبة الأمل، لأن المنتخب الجزائري اعتاد أن يكون رقماً صعباً في القارة، وامتلاكه لترسانة من اللاعبين المحترفين في أوروبا لم يشفع له في تقديم ما يليق باسمه.
ولعل المقارنة مع مراحل سابقة تجعل الوضع الحالي أكثر قتامة. ففي عهد جمال بلماضي، ورغم الانتقادات التي طالته في نهاية مشواره، كان الفريق يمتلك شخصية واضحة ويخوض المباريات بروح قتالية جعلت منه بطلاً لإفريقيا سنة 2019. حينها كان التكتيك متوازناً، وكان اللاعبون يعرفون أدوارهم داخل الملعب بدقة. حتى في أسوأ الفترات، لم يكن المنتخب يبدو بهذا الضياع الذي شهده في اللقاءين الأخيرين. الفارق أن بلماضي استطاع أن يمنح لاعبيه حافزاً نفسياً وروحاً جماعية جعلتهم يتخطون العقبات، بينما مع بيتكوفيتش يبدو أن هذه الروح قد تلاشت.
المسؤولية هنا إذن مشتركة. الجهاز الفني مطالب بوضع خطة واضحة تحدد أسلوب اللعب والخيارات التكتيكية، واللاعبون ملزمون بالالتزام والقتال من أجل القميص الوطني. لا يمكن لأي مدرب أن ينجح إذا لم يجد لاعبين يترجمون أفكاره داخل الملعب، كما لا يمكن لأي لاعبين أن ينجحوا إذا ظلوا يفتقدون إلى توجيه فني منظم. هذه الثنائية تفرض مراجعة شاملة تبدأ من اختيارات التشكيلة، مروراً بطريقة التدريب، وصولاً إلى ضبط الروح القتالية التي كانت سمة أساسية للمنتخب الجزائري في فتراته الذهبية.
إذا استمر الأداء على ما هو عليه، فإن مستقبل المنتخب في التصفيات القارية أو العالمية سيكون مهدداً. المنافسة على التأهل لكأس العالم أو الذهاب بعيداً في كأس إفريقيا لن يتحقق بالتمني ولا بمجرد الاعتماد على أسماء محترفة تلعب في أكبر الأندية الأوروبية. النجاح يتطلب مشروعاً متكاملاً يجمع بين رؤية المدرب واندفاع اللاعبين وانضباطهم. ما يحدث اليوم هو العكس تماماً: مدرب يبحث عن الهوية، ولاعبون يفتقدون للفعالية، وجماهير تعيش حالة من الغضب وفقدان الثقة.
المشهد برمته يفرض على الاتحادية الجزائرية لكرة القدم أن تتدخل بسرعة. إما أن تمنح بيتكوفيتش الصلاحيات والوقت لتصحيح المسار مع إلزامه بوضع خطة واضحة المعالم، وإما أن تبحث عن حلول بديلة تعيد للمنتخب توازنه قبل فوات الأوان. التأجيل والمراهنة على أن الأمور ستتحسن من تلقاء نفسها خيار محفوف بالمخاطر، لأن كرة القدم لا ترحم، والمنافسون في القارة السمراء يسيرون بخطى ثابتة نحو التطوير، بينما المنتخب الجزائري يراوح مكانه في دائرة من التجريب والتذبذب.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن أزمة المنتخب الجزائري ليست وليدة مباراة أو اثنتين، بل هي نتيجة تراكمات تخص غياب مشروع رياضي متكامل. الجماهير التي تتنفس كرة القدم وتعيش على وقع نتائج منتخبها الوطني، لم تعد تقبل بالمبررات ولا بالخطابات الهادئة، بل تريد رؤية فريق يقاتل من أجل الانتصار ويُعيد الاعتبار للألوان الوطنية. المشكل ليس في الهزيمة وحدها، وإنما في الطريقة التي يلعب بها المنتخب: بلا فعالية، بلا انسجام، وبلا شخصية واضحة. لذلك، فإن إصلاح المسار ليس خياراً بل ضرورة، إذا ما أراد “الخضر” أن يستعيدوا بريقهم وأن يعودوا إلى موقعهم الطبيعي بين كبار القارة والعالم.